الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مضت مدة شهر من السنة ضبطوا للشهر الذي يليه علامات في الجهة المقابلة لموقع الشمس في تلك المدة . وهكذا ، حتى رأوا بعد اثني عشر شهرا أنهم قد رجعوا إلى مقابلة الجهة التي ابتدءوا منها فجعلوا ذلك حولا كاملا . وتلك المسافة التي تخال الشمس قد اجتازتها في مدة السّنة سموها دائرة البروج أو منطقة البروج . وللتمييز بين تلك الطوائف من النجوم جعلوا لها أسماء الأشياء التي شبهوها بها وأضافوا البرج إليها . وهي على هذا الترتيب ابتداء من برج مدخل فصل الربيع : الحمل ، الثور ، الجوزاء ، ( مشتقة من الجوز - بفتح فسكون الوسط - لأنها معترضة في وسط السماء ) ، السرطان ، الأسد ، السنبلة ، الميزان ، العقرب ، القوس ، الجدي ، الدلو ، الحوت . فاعتبروا لبرج الحمل شهر ( أبرير ) وهكذا ، وذلك بمصادفة أن كانت الشمس يومئذ في سمت شكل نجمي شبهوه بنقط خطوط صورة كبش . وبذلك يعتقد أن الأقدمين ضبطوا السنة الشمسية وقسموها إلى الفصول الأربعة ، وإلى الأشهر الاثني عشر قبل أن يضبطوا البروج . وإنما ضبطوا البروج لقصد توقيت ابتداء الفصول بالضبط ليعرفوا ما مضى من مدتها وما بقي . وأول من رسم هذه الرسوم الكلدانيون ، ثم انتقل علمهم إلى بقية الأمم ؛ ومنهم العرب فعرفوها وضبطوها وسموها بلغتهم . ولذلك أقام القرآن الاستدلال بالبروج على عظيم قدرته وانفراده بالخلق لأنهم قد عرفوا دقائقها ونظامها الذي تهيأت به لأن تكون وسيلة ضبط المواقيت بحيث لا تخلف ملاحظة راصدها . وما خلقها اللّه بتلك الحالة إلا ليجعلها صالحة لضبط المواقيت كما قال تعالى : لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ سورة يونس : 5 ] . ثم ارتقى في الاستدلال بكون هذه البروج العظيمة الصنع قد جعلت بأشكال تقع موقع الحسن في الأنظار فكانت زينة للناظرين يتمتعون بمشاهدتها في الليل فكانت الفوائد منها عديدة . وأما قوله : وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ فهو إدماج للتعليم في أثناء الاستدلال . وفيه التنويه بعصمة الوحي من أن يتطرقه الزيادة والنقص ، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة . فهو يرتبط بقوله : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ سورة الحجر : 9 ] . وكانوا يقولون : محمد كاهن ؛ ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما حاورهم فيما أعدوا